نصر حامد أبو زيد

141

الاتجاه العقلي في التفسير

1 - التأويل عند المفسرين ( ابن عباس ومجاهد ) منذ فترة باكرة جدا ارتبط تأويل القرآن بالخلاف حول المحكم والمتشابه من جهة ، وبالخلافات السياسية والعقائدية من جهة أخرى . وإذا كانت العلاقة بين التأويل والمجاز تبدو خافتة جدا في هذه المرحلة الباكرة ، فما ذلك إلّا لان مصطلح « المجاز » لم يكن قد تحدّد بعد ، فضلا عن أن يكون قد ظهر على ألسنة المفسرين . وقد سبق أن أشرنا إلى أن مصطلح « المثل » كان أقدم المصطلحات شيوعا للدلالة على العبارة أو اللفظة التي لا يراد بها ما وضعت له في أصل اللغة . أمّا ارتباط التأويل بالخلاف حول المحكم والمتشابه من جهة ، وبالخلافات السياسية من جهة أخرى فيؤكده ما يرويه الطبري عن ابن عباس أيضا من أنه قد « ذكر عنده الخوارج وما يلفون عند القرآن قال : يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه » 1 بل إن الطبري نفسه يستغل الآية لمهاجمة كل الفرق الاسلامية وغير الاسلامية ويرى « أن هذه الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك ، فإنه معني بها كل مبتدع في دين اللّه بدعة فمال قلبه إليها ، تأويلات منه لبعض متشابه آي القرآن ، ثم حاج به وجادل به أهل الحق ، وعدل عن الواضح من أدلة آية المحكمات ، إرادة منه بذلك اللبس على أهل الحق من المؤمنين ، وطلبا لعلم تأويل ما تشابه عليه من ذلك ، كائنا من كان ، وأي أصناف المبتدعة كان : من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو المجوسية ، أو كان سبئيا ، أو حروريا ، أو قدريا ، أو جهميا ، كالذي قال صلى اللّه عليه وسلم : « فإذا رأيتم الذين يجادلون به ، فهم الذين عنى اللّه ، فاحذروهم » 2 . غير أن محاولة تأويل آي القرآن - أو الخلاف حول المحكم والمتشابه - ترتبط بزمن نزول القرآن نفسه . ويبدو أن محاولة تأويل آي القرآن والتشكيك فيه قد ارتبطت بجدل أهل الكتاب مع الرسول في المدينة . ومن العسير على الباحث تحديد نقطة البداية في هذا الجدل . ومع ذلك فالقرآن نفسه قد سجّل هذه المحاولات وردّ